نماذج بدئية متحوّلة | Marcelle Hanselaar
تنسيق Kamini Vellodi
نحن نعيش في أحلامنا أيضاً، لا نعيش في النهار فحسب. ~ Carl Jung، الكتاب الأحمر
في عوالم Marcelle Hanselaar المدهشة القاتمة، تُعرض دراما الوجود الإنساني – بمأساويتها وعبثيتها، وأهوالها وأهوائها – بكثافة يحفّها غموض يدفعها نحو عالم الأسطورة. وتنكسر الأبعاد البدئية للوضع الإنساني – الرغبة والحداد والخوف والوحدة والإيمان – عبر الديناميات بين الذات والآخر، والفرد والجماعة، والحلم واليقظة. وتستحضر عوالم الصور المعلقة هذه، فيما وراء أي زمان أو مكان محدد، حالاتٍ من الوجود تتجاوز الثقافات والعصور. فيلتقي القديم – بعناصره الطقسية والتنبؤية والشعائرية – بمسرح النفس المعاصرة. وعبر هذا الكون الخصب من الرموز والنماذج البدئية، ندرك استكشافاً ملحّاً وشاملاً للحالات العتبية للذات الإنسانية، وللعتبات التي يصير عندها الإنسان آخر، وللحدود الدائمة التحول للذات.
يجمع هذا المعرض مجموعة من الأعمال المنجزة بين 2006 و2021، تكشف مسيرة Hanselaar بوصفها مستقصية نافذة في عالم الرموز. وفي هذا الكون الغني الرحب، تتكرر مجموعة من الموتيفات – المصفاة، والمظلة/الهودج، والمهرج، والكلاب، وامرأة ذات شعر أحمر – في تشكيلات متجددة أبداً، وفي قرابات تزداد غرابة. لا نجد هنا تصميمات داخلية حميمة ولا مناظر طبيعية تصويرية، وتُحجب عنا الدلالات التي قد تحدد موقعنا بثبات في الغرب. وكون هذه الفضاءات غير المحددة وامتدادات البحر والصحراء يمكن أن تكون في أي مكان من العالم، وفي لحظات مختلفة من التاريخ، يشهد على التجارب الترحالية التي عاشتها الفنانة، إذ أمضت جزءاً كبيراً من حياتها في الهند واليابان والصين. Hanselaar مواطنة عالمية حقاً، واستقصاؤها للتجربة الإنسانية مشبع بهذه الرؤية الرحبة.
الصيرورة-حيواناً والنماذج البدئية
الحقيقي هو الصيرورة ذاتها، كتلة الصيرورة، لا الحدود المفترض ثباتها التي يمر عبرها ما يصير.
أقدم الأعمال المعروضة لوحتان من سلسلة Under My Skin . ففي Under My Skin 3، تجلس مراهقة عارية في مواجهة كلب ضخم شبيه بالذئب، واقف ويرتدي مئزراً شفافاً. وهي مائلة قليلاً إلى الخلف، شاردة النظرة، كفّاها منثنيتان إلى الداخل، تبدو مكشوفة على نحو دفاعي تقريباً أمام هذا المخلوق الشبيه بالتمثال على نحو غريب، الذي يحدّق فيها بنهم، فاغراً فاه، لسانه الوردي متدلٍّ. وفي Under My Skin 5، تخرج امرأة عارية أكثر نضجاً، بتعبير من اللامبالاة الغريبة، مما يبدو جلداً مسلوخاً للكلب الذئبي نفسه. وهذه المرأة موضع مراقبة متفحصة من رجل قزم في ثوب شفاف، تبدو نظرته غير المباشرة كأنها تخترقها، كأنما يحاول أن يبحث تحديداً عما قد يكمن تحت جلدها. وفي البعيد تتراجع امرأة صغيرة عارية ذات شعر أحمر، ومحرقة مشتعلة. وتُظهر أعمال أخرى في السلسلة امرأة في مراحل مختلفة من أواخر الطفولة وبدايات المراهقة، في تواصل حميم مع المخلوق الكلبي. أهذه مسرحة للنمو الجنسي الأنثوي؟ وهل الكلب الذئبي إرهاص بالرجل القزم؟
تحمل العلاقة الملتبسة عميقاً بين المرأة والكلب والرجل إيحاءات منحرفة في التلميح إلى علاقات جنسية بين المرأة والكلب. ولا يسع المرء هنا إلا أن يفكر في تحليل Sigmund Freud الشهير عام 1918 لـ«رجل الذئاب»، وهو أرستقراطي روسي كان يعاني رهاباً شديداً من الذئاب. وقد ردّ Freud هذا الرهاب إلى قلق الخصاء الذي عبّر عنه حلم المريض في طفولته بمجموعة من الذئاب تجلس على شجرة. وإذ فهم Freud الأحلام بوصفها تحقيقاً مقنّعاً لرغبات طفولية مكبوتة، فقد فسّر الذئب بوصفه شخصية أوديبية، هي شخصية الأب المخصي.
قد تتيح لوحات Under My Skin مثل هذه القراءة الفرويدية. لكنني أرى أن الرغبة في عالم Hanselaar لا يُعبَّر عنها، كما عند Freud، عبر آليات الكبت أو بمفردات النقص. بل تتجلى قوةً تحوّل الأشكال التي نظن أننا نعرف أنفسنا ونعرّفها من خلالها وتضاعفها. وكما يرى الفيلسوفان الفرنسيان Gilles Deleuze وFélix Guattari، فإن الجوهري في حلم رجل الذئاب، وهو ما فات Freud، أن هناك عدة ذئاب – وأن «الصيرورة-حيواناً» الخاصة برجل الذئاب تنطوي على إدراك التعدد. أو كما تقول Hanselaar نفسها، أن كل واحد منا «أجزاء عدة في الوقت نفسه».
ليست هذه اللوحات تحقيقات في «الأنا» وعصاباتها بقدر ما هي استكشافات للتدفقات التي تخترق الهوية وتشظّيها. وبهذا المعنى يمكن فهم العلاقة الآسرة بين الإنسان والحيوان التي تسري في أعمالها. فالكلب الذئبي والمرأة والرجل ليسوا كائنات منفصلة متمايزة بقدر ما هم شخصيات متبادلة تنبع «من المصدر نفسه»، وتكشف تواصل البدائي و«المتحضر» داخل الوضع الإنساني. إنها الحركة التي تجعل الإنسان يصير حيواناً (الرجل القزم يحل محل الذئب) وفي الوقت نفسه تجعل الحيوان يصير إنساناً (الكلب الذئبي الذي يرتدي مئزراً ويقف على قائمتين). وما يُقلق كثيراً في أعمالها ليس مجرد الحميمية المتجاوزة للحدود بين الإنسان والحيوان، بل كون علاقة الحميمية ذاتها تكشف قرب الإنسان والحيوان وتآلفهما وتحالفهما، بل وتعذّر التمييز بينهما.
تكشف مصفوفة العلاقات هذه عن زوال مواقع الذات المفترض ثباتها. وبهذا المعنى يمكن تسمية موتيفات Hanselaar نماذج بدئية، بالمعنى الذي أعطاه Carl Jung لهذا المصطلح: أشكال كونية لاواعية، ورموز وصور بدئية مستمدة من اللاوعي الجمعي. وعلى أساس هذه الرمزية الأولية، هذا التصوير الجمعي الذي يخترق الشخصي، يمكننا مقاربة الدينامية المهمة بين الفرد والحشد في أعمال Hanselaar.
الحشود والطقوس
الرموز متجذرة في الواقع، وحتى أكثر الشعائر همجية وأغرب الطقوس تترجم حاجة إنسانية ما.
يقع هذا الفحص لطبيعة الحشد في صميم ثلاثية من اللوحات أُنجزت بين 2013 و2014. ومع أنها جميعاً موسومة بإحساس بالتهديد، يصعب تحديد هوية هذه المجموعات المتنافرة من الشخوص الآتية من أزمنة وأمكنة مختلفة. فهي تتحدد بالحدث الذي تشارك فيه أكثر مما تتحدد بصفات مشتركة. ففي Procession، تقف شخصية مقنّعة لن تبدو غريبة في لوحة لـPieter Brueghel إلى جانب فتى يحمل مضرب بيسبول ويرتدي كنزة رياضية. وكلاهما من حشد يرفع امرأة عارية جاثمة داخل صندوق شفاف. أهي موضع تبجيل أم قربان؟ وفي Ritual، ترفع عروس، يغمرها ضوء خارق، تنورتها لتقدّم عضوها لعبادة الحشد المتكدس حولها. فهي معبودة وأسيرة في آن، وحالها تعبّر عن الخيط الرفيع بين التضحية والتبجيل الطقسي. وفي Who’s a Pretty Boy Then?، يتخذ الموكب نبرة أكثر قتامة. فجثة مكفنة يحملها حاملو نعش عراة. لكن هذا الفعل لم يعد مركز التكوين، فقد تراجع إلى الخلفية وانفصل عن الحشد.
والمدهش حقاً أن ندرك أن هذا الحشد لم تعد له وظيفة واضحة. فهم ليسوا شهوداً، ولا يتجهون إلى أي مكان، وأفعالهم منفصلة بعضها عن بعض. وما يزعجنا هنا هو لامبالاة الحشد بمشهد الموت. لقد انتقلت الهمجية من التبجيل الهستيري لشخصية طقسية إلى درجة مقلقة من الانغلاق على الذات.
أهذه استعارة لوضعنا المعاصر؟ تلامس Hanselaar سمة في الحشد تُقلق بألفتها: الإخضاع النرجسي لما لا ينتمي أو لم يعد نافعاً. وفي اهتمامها بجوانب من سلوك الجماعة وثيقة الصلة اليوم كما كانت في المجتمعات القديمة، تدفعنا إلى التأمل في كيفية نشوء المعتقدات الجمعية، وفي التكرار الدوري لحماقات الوجود الإنساني وأعمال عنفه. فعبادة الأوثان، وصور كبش الفداء، وطقس التضحية، كلها تستبق العبادة الحديثة للشهرة وانتهاكها للخصوصية، ونزعها للإنسانية، واستعراضها، وزوالها المأساوي. إنه استقصاء في أوانه في عصر القبلية الراهن، حيث يهدد التماهي مع الجماعة بتقويض إحساسنا المشترك بالإنسانية.
تعود هذه الموضوعات الأولية – الطقس والحشد والأسطورة والإيمان – في اللوحات الأربع البارعة من سلسلة Hanselaar At The Oracle of Limbo (2020-2021). وبينما يبقى استقصاء ديناميات السلطة بين الأفراد والجماعات، حلّ محل البهيمية الجسدية في اللوحات السابقة جوٌّ أكثر باطنية وغموضاً وقداسة. وتتمحور الأعمال الأربعة حول عرّافة محجّبة – كاهنة ملهمة إلهياً كانت تنطق بالنبوءات – تحيط بها جماعات ومتوسلون في مناظر صحراوية قاحلة شبيهة بسطح القمر. ففي العمل الأول، تحت سماء سوداء مرصعة بالنجوم، تضع المتوسلة قارورة أمام العرّافة وتشيح بوجهها. وفي الثاني، ترقص فتاة صغيرة أمام العرّافة، تراقبها شخصية حمراء الشعر ترتدي قناع النو. وفي الثالث، يشرب متوسل ذو ضفائر من وعاء، جاثماً إلى جانب قرد يرافقه. وفي اللوحة الأخيرة، تلمس متوسلة، متجاهلةً التحذيرات، حجاب العرّافة على نحو تدنيسي وتحاول رفعه. وعبر الأعمال الأربعة لا يتكرر المتوسل نفسه أبداً، مما يوحي ربما بدورة البحث عن الحقيقة التي تعود أبداً. ومرة أخرى نُدعى إلى التأمل في راهنية هذه الرغبة في عصر «ما بعد الحقيقة»، حيث يُخفي نقدُ الخبرة والحقُّ في الرأي تعذّرَ الوصول إلى الحقيقة تحت وهم بلوغها.
رُسمت هذه الأعمال بعد وفاة أختها في فبراير 2019، وخلال فترة مكثفة من العزلة وتجربة «البرزخ» أثناء الإغلاق، وهي جزء من سلسلة ممتدة بعنوان The North Sea – أفعال تساؤل عميقة. يصبح الرسم الحقل الذي يمكن عبره التعامل مع أسئلة المطلق – وهنا مساءلة الموت – في الخيال الإنساني، حيث يستطيع اللاوعي أن يطرح أسئلة تتجاوز الكلمات، بل تتجاوز المستوى الشخصي. وكما تقول Hanselaar، فما تعبّر عنه هذه اللوحات هو «سؤالي، لكنه ليس أنا».
هذه الأعمال إنجازات استثنائية في الرسم. فإتقان Hanselaar للهيئة البشرية يعبّر عن قوة أسلاف عظام وسيطرتهم، من Velázquez إلى Millet إلى Picasso. وهي تشغل حقل الإيروسية بمزيج من الغموض والمباشرة يذكّر بـBalthus (إلا أن المرأة هنا ليست مجرد موضوع). وتحمل الكثافة النفسية لدى Dorothea Tanning بل وSchiele، وتلتقط شيئاً من القوة الساخرة لفناني ما بين الحربين مثل Otto Dix، وربما خصوصاً Max Beckmann، الفنان ذي الأهمية الخاصة لدى Hanselaar، في «مواجهته للجانب الخفي من الطبيعة البشرية». وكثيراً ما قورنت أعمال Hanselaar بأعمال معلّمة كبيرة أخرى للهيئة البشرية هي Paula Rego. لكن بينما تشغل أعمال Rego بثبات فضاء الحكي، وكثيراً ما تستند إلى قصص موجودة سلفاً، فإن علاقة Hanselaar بالسرد أقل ظهوراً. نعم، ثمة حكايات هنا، لكنها لا تستند إلى قصص سابقة – فلا «ترجمة» هنا، وتوضح Hanselaar أن أعمالها تنمو عضوياً عبر فعل الرسم نفسه. فالرسم ذاته هو مسرح صنع الأسطورة. كما تفتقر هذه المشاهد إلى الطابع المنزلي والداخلي في مشاهد Rego. فحتى حين تُرسم إحياءً لذكرى علاقة عائلية، لا نشعر أبداً بأنها قصص «عن» العائلة؛ وحتى حين تدور حول «المرأة»، فهي ليست «عن» المرأة.
المرأة والبحر
ليس للبحر حدود داخلية، ولا ينقسم إلى شعوب وأقاليم. له لغة واحدة هي نفسها في كل مكان…. إنه صورة لإنسانية ساكنة؛ تتدفق فيه الحياة كلها، ويحتوي الحياة كلها.
تستحضر المجموعة الأخيرة من لوحات North Sea ذكريات طفولة Hanselaar مع أختها على شاطئ Scheveningen في هولندا. ولعل Cumulus ، التي تستحضر الجوانية الشديدة والرصانة في بعض أعمال Odilon Redon، أوضحها تعبيراً عن هذا الفقد. فتاة حمراء الشعر، نصف مغمورة في امتداد مائي حالم، يداها تذكّران بإحدى المودرات البوذية، تحدّق متأملةً إلى ما وراءنا، بينما تبتعد عنها من خلفها شخوص (على ركائز خشبية، وفي قارب).
تصوّر معظم لوحات North Sea شخصية أنثوية وحيدة – لا يُكشف لنا وجهها أبداً – قرب حافة البحر، تحت سماء ليلية، وقد جعل ضوء القمر الشديد ظلّها طيفياً. فأحياناً تقترب من البحر عبر درب (درب كانت Hanselaar وأختها تتجولان فيه طفلتين)، وأحياناً تقف عند حافة البحر، أو في مياهه الضحلة، أو قرب برج صغير (قريب من المكان الذي نثرت فيه Hanselaar رماد أختها). ولعلها أشد تصويراتها للعزلة كثافة، وتستحضر جوانب من الرومانسية الأوروبية الشمالية – الشخصية الوحيدة التي تولينا ظهرها متأملةً لا محدودية الطبيعة الجليلة (C.D. Friedrich وBöcklin) – غير أن الطبيعة هنا ليست تذكيراً بما هو متحضر في الإنسان، بل خزّان القوى الأشد قتامة والأكثر بدائية التي يشارك فيها الإنسان (وبهذا المعنى ربما كانت أقرب إلى رسامين نرويجيين مثل Nikolai Astrup وPeder Balke). وبفضل تضاد الضوء والظل البديع فيها وجوّها الصوفي، يمكن أيضاً رؤية هذه اللوحات الليلية ضمن تقليد يمتد من الباروك في القرنين السادس عشر والسابع عشر (رسامون مثل Jacopo Tintoretto وSalvator Rosa وAdam Elsheimer وGuido Reni، ممن استخدموا الخلفيات الداكنة لتعميق الكثافة الروحية) إلى أعمال القرن التاسع عشر لدى Whistler وLéon Spilliaert.
وبينما تسجّل هذه الأعمال الرثائية رحلة شخصية عميقة من الحزن والحداد، فإنها مشبعة بطابع كوني. فهؤلاء النساء الشبحيات الأثيريات، شبه السائلات، يندمجن في محيطهن الدائم التبدل، مستحضرات إحساساً بالمحايثة الكونية والترابط، وبأن البحر جوهري في ذلك. وقد تحدثت Hanselaar عن إدراكها خلال تلك الفترة «للبحر بوصفه بداية جزء من حياتي ونهايته»10 وبالفعل تذكّرنا هذه الأعمال بالبحر بوصفه النموذج البدئي، عبر كثير من أديان العالم، لدورة الحياة والموت، ومصدر الخلق كله الذي هو بداية الدورة الكونية ونهايتها.
لهذا الانتقال من فحص الحشد البشري إلى البحر منطقٌ شعري – يلتقطه Elias Canetti في كتابه البارع الصادر عام 1960 الحشود والسلطة. إذ يكتب عن صفات البحر التي يطمح إليها الحشد ولا يبلغها أبداً:
إنه في اندفاعه وغضبه يستحضر الكيان الوحيد الذي يشاركه هذه الصفات بالدرجة نفسها، أي الحشد. لكن للبحر فوق ذلك الثبات الذي يفتقر إليه الحشد. فهو موجود دائماً؛ لا يتسرب بين حين وآخر ليختفي. والبقاء في الوجود هو أعظم رغبات الحشد، وإن ظلت حتى الآن بلا جدوى؛ وهذه الرغبة تبدو متحققة في البحر.
والحياة التي يعجّ بها جزء منه بقدر انفتاحه الدائم. ويزداد جلاله بالتفكير فيما يحتويه، في كثرة النباتات والحيوانات المخبوءة فيه. ليس للبحر حدود داخلية، ولا ينقسم إلى شعوب وأقاليم. له لغة واحدة هي نفسها في كل مكان. ولذا لا يوجد إنسان واحد يمكن، إن صح القول، أن يُستبعد منه. إنه أشمل من أن يطابق تماماً أياً من الحشود التي نعرفها، لكنه صورة لإنسانية ساكنة؛ تتدفق فيه الحياة كلها، ويحتوي الحياة كلها.11
في أكبر لوحات Hanselaar الليلية، Moonlight Dancer، المستوحاة من بطاقة بريدية للوحة Winslow Homer Summer Night (1890)، لم تعد الشخصية الأنثوية تبحث أو تتساءل، ولم تعد معزولة، بل صارت متحررة، ترقص كأنها ممسوسة في نشوة غامرة. إنها نموذج بدئي متحوّل لحورية وثنية أو إلهة بحر أزلية، ترتفع عن الأرض وعن الماضي لتنصهر في الليل الأبدي. ويضيئها ضوء القمر الشامل وهالة قرمزية تنبعث من داخلها، فتتحرك بجموح، بينما تتطلع الشخوص الطيفية لعائلتها الراحلة إلى الأفق. و Moonlight Dancer ، العمل الأخير في السلسلة، تعلن نهاية البحث، والإعراض عن الذاكرة والفقد، واحتضان الحاضر الحي بوصفه عالماً بلا حدود.
بفضل وضوحها التخيلي العميق، وتواضعها وخشوعها أمام أكثر قوى الطبيعة البشرية بدائية، وجلاء رؤيتها التي تبقى مع ذلك غامضة لنا جزئياً على الدوام، تدعونا لوحات Hanselaar إلى التأمل في الحواف العتبية والمناطق المكثفة ونقاط التحول في التجربة الإنسانية، حيث يبلغ ما هو أشد خصوصية طابعاً كونياً.
~ Kamini Vellodi
